قال معهد مانوهار باريكار للدراسات والتحليلات الدفاعية إن توقيت زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى مصر التي جرت خلال الفترة من 7 إلى 9 يونيو الجاري يضفي عليها أهمية استراتيجية كبيرة، بعد أن تدهورت العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا بعد التفاؤل الأولي الذي أحدثه اتفاق السلام في عام 2018، في الوقت الذي لا تزال فيه مصر غير راضية عن موقف أديس أبابا من سد النهضة. بينما تثير مطالبة إثيوبيا المتكررة بالوصول إلى البحر الأحمر قلق جيرانها، ولا سيما إريتريا.
لذا، رأى التحليل أن التفاهم المصري الإريتري ليس مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل يعكس تقاربًا أوسع للمصالح، تشكّل بفعل المخاوف بشأن النفوذ الإقليمي المتزايد لإثيوبيا، ومستقبل الأمن في البحر الأحمر، والنزاع العالق حول مياه النيل.
وعلى الرغم من أنه قد يكون من السابق لأوانه وصف هذا التفاهم بأنه تحالف رسمي مناهض لإثيوبيا، لكنه رأى أن نمط التنسيق بين القاهرة وأسمرة يُظهر أن التوازن الإقليمي في القرن الأفريقي يشهد إعادة تشكيل.
التقارب بين مصر وإريتريا
وأشار إلى أنه ينبغي النظر إلى التقارب المصري الإريتري كجزء من تحول أوسع في منطقة القرن الأفريقي. وهو ليس تحالفًا رسميًا ضد إثيوبيا حتى الآن، ولكنه يُظهر بوضوح تقارب القاهرة وأسمرة، إذ يشعر كلا البلدين بالقلق إزاء إثيوبيا، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة. ينبع قلق مصر أساسًا من سد النهضة، بينما ينبع قلق إريتريا من مطالبة إثيوبيا المتكررة بالوصول إلى البحر الأحمر.
وبالنسبة لمصر، قال التقرير إنه لا يزال سد النهضة أحد أهم القضايا في علاقاتها مع إثيوبيا. وتعتبر القاهرة النيل مسألة حيوية لبقائها الوطني، وقد جادلت منذ فترة طويلة بأن السد قد يؤثر على أمنها المائي. ولم تسفر سنوات من المفاوضات عن اتفاق ملزم يرضي مصر.
ودفع هذا الوضع القاهرة إلى البحث عن سبل أخرى لتعزيز نفوذها في محيط إثيوبيا. وتُعدّ إريتريا خيارًا مناسبًا في هذا السياق نظرًا لموقعها الجغرافي، وعلاقاتها المتوترة مع إثيوبيا، وموقعها على البحر الأحمر.
لذا، رأى التقرير أن مساعي مصر للتواصل مع إريتريا لا تقتصر على التعاون الثنائي فحسب، بل هي أيضًا جزء من مسعى القاهرة لتعزيز موقفها في نزاع النيل الأوسع.
أما بالنسبة لإثيوبيا، فإن سد النهضة ليس مجرد سد أو مشروع بنية تحتية، بل أصبح رمزاً للفخر الوطني والتنمية والسيادة، بحسب وصف التحليل.
ففي بلدٍ يعاني من التوترات العرقية والانقسامات السياسية والصراعات الأهلية، يُعدّ سد النهضة أحد المشاريع القليلة التي يمكن لأديس أبابا أن تُقدّمها كإنجاز وطني مشترك.
بالنسبة لمصر، يُمثّل سد النهضة مصدر قلقٍ بشأن الأمن المائي. أما بالنسبة لإثيوبيا، فهو أيضاً مشروعٌ لبناء الأمة.
لذا، قد يُنظر إلى أي ضغط خارجي على السد داخل إثيوبيا على أنه محاولة لإضعاف سيادتها وطموحاتها التنموية، مما يجعل حل هذه القضية أكثر صعوبة.
وبحسب التحليل، يتشكل قلق إريتريا من سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا دولة كبيرة غير ساحلية، وحاجتها إلى منفذ مينائي موثوق مفهومة من منظور اقتصادي، إلا أن طريقة التعبير عن هذا المطلب أثارت قلق الدول المجاورة.
وتشعر إريتريا بقلق بالغ لأن "عصب"، الواقعة قرب الحدود الإثيوبية، أصبحت نقطة حساسة في طموحات إثيوبيا البحرية. بالنسبة لأسمرة، لا يقتصر مطلب إثيوبيا على كونه قضية تجارية فحسب، بل يمكن اعتباره أيضًا تحديًا محتملاً على الصعيدين الإقليمي والأمني.
ويكمن الخطر في أن أي مواجهة بشأن عصب قد تتسع بسرعة لتتجاوز مجرد نزاع على منفذ مينائي، وتجرّ معها تيجراي وغيرها من مناطق الصراع الهشة في القرن الأفريقي.
وقال التقرير إن هذا يفسر أهمية زيارة الرئيس أسياس أفورقي إلى القاهرة. فإريتريا لا ترغب في الظهور بمظهر المنعزلة في وقت تتحدث فيه إثيوبيا بصراحة أكبر عن حقها في الوصول إلى المياه الإقليمية.
ومن خلال تعزيز العلاقات مع مصر، تُرسل أسمرة إشارة إلى أديس أبابا بأنها تحظى بدعم خارجي. وفي الوقت ذاته، تستفيد مصر من وجود شريك قريب من الحدود الشمالية لإثيوبيا. وهذا يخلق مساحة مشتركة بين مصر وإريتريا، على الرغم من اختلاف اهتماماتهما المباشرة.
الاستراتيجية الإريترية تتجاوز حدود مصر
وبحسب تقديرات التحليل، فإن الاستراتيجية الإريترية يبدو أنها تتجاوز حدود مصر. إذ تشير التقارير إلى أن إريتريا تتواصل مع جهات فاعلة داخلية في إثيوبيا، بما في ذلك فصائل تيغراي وجبهة فانو في أمهرة. وهذا أمر بالغ الأهمية لأنه يوحي بأن أسمرة ربما تحاول الضغط على إثيوبيا من عدة جهات.
فبدلاً من الاعتماد على الشراكات الخارجية فقط، قد تستغل إريتريا الانقسامات الداخلية في إثيوبيا لتقييد الخيارات الاستراتيجية لأديس أبابا. كما سلطت تقارير حديثة الضوء على اتهامات إثيوبية لإريتريا بدعم جماعات مسلحة، وعلى احتمال ظهور اتصالات بين إريتريا وبعض الجهات الفاعلة في تيغراي وسط تجدد حالة عدم الاستقرار في شمال إثيوبيا.
وتكتسب جبهة تحرير شعب تيجراي أهمية خاصة نظرًا للتاريخ الطويل والمعقد بين الحركتين التيجراية والإريترية. فقد تعاونت جبهة تحرير شعب تيجراي مع جبهة تحرير شعب إريتريا في وقت من الأوقات ضد نظام ديرج، إلا أن علاقتهما توترت لاحقًا بعد استقلال إريتريا.
كما زادت الحرب الإثيوبية الإريترية (1998-2000) من حدة انعدام الثقة بين إريتريا والحكومة التي تقودها جبهة تحرير شعب تيجراي في أديس أبابا.
لاحقًا، عندما تولى آبي أحمد السلطة عام 2018، همّش قيادة جبهة تحرير شعب تيجراي القديمة، التي عادت بدورها إلى تيجراي. وقد ساهم ذلك في اندلاع الصراع عام 2020. وإذا كانت إريتريا تعيد الآن فتح قنوات التواصل مع الأطراف التيجراية، فهذا يدل على مدى مرونة السياسة التكتيكية في القرن الأفريقي. وقد يعود الخصوم السابقون إلى الحوار عندما يواجهون ضغوطًا مشتركة.
وفقًا للتحليل، يُضيف الوضع الداخلي في إثيوبيا بُعدًا آخر لهذا الغموض. فقد احتفظ حزب الازدهار، بزعامة رئيس الوزراء آبي أحمد، بأغلبية برلمانية كبيرة في الانتخابات الأخيرة، حيث فاز بنحو 90% من المقاعد المتنازع عليها. نظريًا، يمنح هذا آبي تفويضًا سياسيًا قويًا. إلا أن الانتخابات تأثرت أيضًا بالاضطرابات، حيث أُغلقت عدة مراكز اقتراع في منطقتي أمهرة وأورومو بسبب انعدام الأمن.
يُظهر هذا التناقض في الوضع الراهن لإثيوبيا. فالحكومة المركزية تبدو قوية انتخابيًا، لكن البلاد لا تزال تعاني من عدم الاستقرار السياسي. وتستمر الجماعات المسلحة والتوترات الإقليمية والانقسامات العرقية في التأثير على السياسة الداخلية الإثيوبية.
الانقسامات الداخلية في إثيوبيا
بالنسبة لمصر وإريتريا، قد تبدو الانقسامات الداخلية في إثيوبيا فرصةً للضغط على أديس أبابا. أما بالنسبة لإثيوبيا، فإنّ تعزيز التنسيق بين القاهرة وأسمرة، إلى جانب احتمالية وجود صلات إريترية بجهات فاعلة داخلية إثيوبية، قد يُنظر إليه على أنه تطويق. وهذا قد يدفع القيادة الإثيوبية إلى مزيد من الدفاعية ويقلل من استعدادها للتسوية. وبدلاً من تخفيف حدة التوترات، قد تُؤدي هذه التحركات إلى تعزيز انعدام الثقة بين جميع الأطراف.
ويُظهر موقف الصومال أن المشهد الإقليمي لا يزال متقلبًا. فبعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع أرض الصومال، بدا أن الصومال يتجه نحو التقارب مع مصر وإريتريا، إذ رأت مقديشو في خطوة إثيوبيا تحديًا للسيادة الصومالية. إلا أن إعلان أنقرة، الذي تم التوصل إليه بوساطة تركية بين الصومال وإثيوبيا، قد غيّر الوضع. يبدو أن الصومال الآن أقل رغبة في الانضمام بشكل كامل إلى تحالف مناهض لإثيوبيا. ولا تزال أولويتها المباشرة هي التصدي لجهود أرض الصومال الدولية بدلاً من الانضمام إلى كتلة إقليمية ثابتة.
ويُظهر هذا أن التحالفات في القرن الأفريقي ليست دائمة. تتعاون الدول عندما تتوافق مصالحها، لكنها تتراجع أيضًا عندما تتغير أولوياتها. من الواضح أن مصر وإريتريا تتقاربان، لكن موقف الصومال المتغير يشير إلى أن تشكيل تحالف رسمي ضد إثيوبيا لا يزال غير مؤكد.
تشرذم منطقة القرن الأفريقي
وخلص التقرير إلى أن القلق الأكبر يكمن في تزايد تشرذم منطقة القرن الأفريقي. فمصر وإريتريا تتقاربان، وإثيوبيا تسعى للوصول إلى البحر، والصومال تعيد تقييم موقفها، وإريتريا قد تتواصل مع جهات داخلية إثيوبية. كما أن الصراع في السودان يفسح المجال لتدخل خارجي.
ويكتسب البحر الأحمر أهمية متزايدة نتيجة لهجمات الحوثيين، وحرب غزة، والتنافس الخليجي، والنشاط البحري الخارجي. كل هذه التطورات تحدث في وقت واحد، مما يزيد من عدم استقرار المنطقة.
ويكمن الخطر الرئيس في تحول التنافس السياسي إلى تنافس بالوكالة. فإذا عمّقت مصر وإريتريا تنسيقهما بطرق تضغط مباشرة على إثيوبيا، وإذا ردّت إثيوبيا بتشديد موقفها، فقد تتجه المنطقة نحو مواجهة أشد. وهذا من شأنه أن يزيد من صعوبة حل قضية سد النهضة، ومسألة وصول إثيوبيا إلى موانئها، أو المخاوف الأمنية المتعلقة بالبحر الأحمر.
https://idsa.in/publisher/comments/shifting-alignments-in-the-horn-of-africa-egypt-eritrea-and-ethiopia

